لقد حفظت الأساطير في المنطقة
العربية وقائع وأحداث المدن القديمة كمدينة أور وبابل وطيبا، وذكرت تفاصيل كثيرة عن
حضارات الإنسان الأوَّل كالحضارة السومريّة والبابليّة وحضارة وادي النيل، وروت
حكايات عن ملوك وعظماء أثبتت المكتشفات الأثريّة أنّهم صنعوا تاريخا حافلا في الزمن
البعيد كجلجامش وسرجون وإيزيس وأوزوريس، كما أنّها نقلت علوما ومعارف مختلفة عن
نشأة الكون وبداية الحياة وخلق الإنسان ومراحل التطوّر البشري، وعلى ذلك فإنّه
يمكننا القول أنّ مادة الأساطير هو الحدث التاريخي، هذا الحدث التاريخي ليس مصطنعاً
أو متخيلاً، إنّما هو وقائع وأحداث حصلت إمّا من صنع الإنسان، أو من صنع الطبيعة أو
من صنع السماء، وفي كلّ الحالات هو حدث ذو تأثير مهم في حياة الإنسان، يستحق
التسطير والحفظ للأجيال القادمة، وإنّه من الخطأ الفادح أن ننظر إلى أساطير
الأوّلين بأنّها خرافات لا تمتّ إلى الواقع بصلة، لأنّنا بذلك سنفقد حلقات رئيسية
تبيّن لنا بجلاء حقيقة مبتدانا ومنتهانا وسرّ وجودنا، فمادة بعض الأساطير بما
تحتويه من مضامين رفيعة وعلوم راقية جديرة بالدراسة والفحص لأنّها حلقة من حلقات
تاريخ الإنسانية، وهي مصدر معتمد من مصادر التاريخ للأسباب التالية:
أولا: إنّ أثراً من الغيب يقف وراء
علم الأوائل لتلك الحقائق، فلقد تناولت الأقوام رغم اختلاف مناطقها الموضوعات
الكبيرة، كقضايا خلق الكون والإنسان تناولوها كحقائق مؤكدة في مدوّناتهم ونقوشهم،
أفكانوا شهوداً حينما تمّ الخلق؟ تقول الآية الشريفة: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ) (الكهف:51). ثم أنّ تلك
الأساطير تطابقت مع الكثير من الحقائق التي طرحها وأكّدها القرآن الكريم كمسألة خلق
السماوات والأرض في ستة أيام وخلق الإنسان الأوَّل واجتباء آدم ودخوله الجنَّة ثمَّ
خروجه منها، فالأوّلون صاغوا الأساطير بسبق معرفة وعلى أساس معلومات غيبية حصّلوها
من مصدر إلهي، فحين عُُلّموا الحقائق عن طريق الوحي الإلهي، صاغوها بعد ذلك كما
يحلو لهم مترنمين ومتغنين بها وهم على تمام الثقة واليقين بما يقولون لذلك نجدهم
يقيمون الطقوس والأعياد والاحتفالات لإحيائها وتأكيدها ويكرّرونها بألفاظ وأنماط
مختلفة.
ثانيا: إنّ هناك طابعاً مشتركاًً
لهذا التراث يتجلّى بوضوح في الوحدة الواضحة لمضامين الأساطير خاصة في حديثها عن
القضايا الكبرى كخلق الكون والإنسان، فلقد تحدّثوا عن نشأة الخلق الأول وخلق الأرض
والإنسان، فاحتوائها على فكرة واحدة يشير إلى وحدة اجتماعيّة وثقافيّة وعلميّة لتلك
الشعوب، بل إنّ بعض الأساطير وبسبب تلفها أو فقدان بعض أجزائها فإنّه يمكن توقّع
الأجزاء الناقصة منها بمقارنتها مع أساطير الحضارات المجاورة، فأسطورة جلجامش الملك
السومري الذي عاش في مدينة أورك تذكرها الأساطير البابلية والآشورية بتفاصيل أكثر
رغم فارق الزمن بين الحضارتين إذ يصل إلى أكثر من ألف عام. وقد اتّجه كثير من
الباحثين إلى محاولة الإمساك بالحبل الرابط الذي يجمع كلّ تلك المعلومات في حلقة
متكاملة، واعتبروا الأساطير شاهدا على التطوّرات السياسية والدينية والأدبية
لأصحابه ولأصحاب الحضارات السابقة.
إلى جانب ذلك تشترك الأساطير في
شخصياتها الرئيسة وفي أدوارها التي تلعبها داخل الأسطورة في جميع المدوّنات
العربيّة القديمة بدءًا من السومريّة فالبابليّة والأكديّة فالأوغريتيّة وحضارة
وادي النيل من أرض مصر والحضارة اليونانية ولكن بمسميات مختلفة فأنانا السومرية هي
عشتار البابلية وهي ذاتها أناة الأوغريتية وهي إيزيس المصرية وهي أفروديت عند
اليونان، هذا الاشتراك إنّما يشير إلى وحدة هذا التراث وأنّه ليس ضرباً من الخرافة
كما يُظنّ، إذ من المستحيل أن يتّفق العقل على صياغة الخرافة بشخصيات واحدة وأدوار
واحدة في مناطق مختلفة، ولكن من الممكن أن يصوغ الحقيقة مستخدما العناصر نفسها ولكن
بمسميات مختلفة تختلف باختلاف البيئة والظروف، كلّ ذلك يدلّنا أنّ التراث الأسطوري
القديم ينطوي على حقائق أصيلة قائمة على أسسٍ علميّة مؤكّدة أُخِذَت من مصادرها
الأصلية. إنّ الوحدة الواضحة في مضامين النصوص عند السومريين والبابليّين
والآشوريّين والفينيقيين وعرب وادي النيل تشير إلى أنّ النصوص ترجع في الأساس إلى
مصدر واحد، وأنّها بثّت من مركز واحد.
ثالثا: إنّ كثيرا من الشخصيات التي
كانت تدور حولها الأساطير هي شخصيات تاريخية واقعية من ملوك أو حكام أو أشخاص من
الشعب كان لهم دور في الحركة المجتمعية والحضارية لذلك الزمان، وكذلك المدن التي
دارت في فضائها الأساطير، فعملية تحليل الأساطير وفهم رموزها سيكشف لنا الكثير من
أحوال ذلك الزمان وتاريخ نمو الإنسانية الحضاري والروحي والاجتماعي، خاصة تلك التي
تحمل أسماء البلدان التي دعيت بها منذ ذلك الزمان السحيق، فأبناء الملك أجينور أو
أشنار مثلا ملك مدينة صور المعروفة إلى اليوم وهم فينيق وقدموس وكيليك وجاليان
انطلقوا كما تقول الأسطورة للبحث عن أختهم أوروبا (عروبا) الأميرة العربية بعد أن
خطفها الثور "زيوس"، فاستقرّ كيليك في أرض هي أبعد إلى الشمال فعرفت باسم كيليكيا
نسبة إليه، واستقرّ فينيق في الشمال على الساحل فعرفت البلاد باسم فينيقيا نسبة
إليه ومن هناك خرج الفينيقيون يبنون ويؤسّسون أينما ذهبوا، أما قدموس فقد انطلق من
صور إلى كريت ومالطا ثم إلى اليونان حيث أسّس مدينة طيبا(ثيبا) كما تقول الأسطورة،
بل إنّهم خلعوا اسم "ليبيا" وهي والدة الملك أجينور أبيهم على الشمال الإفريقي
كلّه، أما اسم أختهم "أوروبا" فقد أُطلق على البلاد الواقعة على الشواطئ الشمالية
للمتوسط والمعروف اليوم بالقارة الأوروبية.
رابعاً: إنّ الأساطير لم تكن
اجتهادات أو أعمال فردية، بل إنّها كانت أعمالاً مقصودة ضمن منظومة عامة خُطّط لها
بعناية، وإنّ وجودها في المعابد ومكتبات الملوك يعطيها اعتبارا إضافيا فقد كانت
تُكتَب برعاية الملك نفسه والكهنة لإثبات أنّها ليست خيالا فرديًا، بل هي نتاج
لتوجّهات الجماعة وعقائدهم وآمالهم الأمر الذي أعطى للأساطير قيمةً كبرى سواء لدى
المعاصرين لها أو للأجيال القريبة والبعيدة. والأساطير هي فرع من نظام الدولة
المركزيّة الذي عُرف في سومر وبابل ووادي النيل وأوغاريت وعند الفينيقيّين الذين
حملوه بعد ذلك لبلاد الإغريق، ولقد ساعدت الأساطير في حالة الاستقرار الذي شهده
الإنسان الأول وما صاحبه من التطور في النظام السياسي والإداري والزراعي والصناعي
والتعليمي، ويمكننا القول أن تدوين الأساطير جاء انسجاما مع نظام المجتمعات
القديمة، الذي استخدم الكتابة ووظّفها لتوثيق تاريخه وعلومه وأفكاره، ودوّن بها
سجلات المعاملات التجارية، وأسماء المواليد، وعقود الزواج وغيرها.
ولا بدّ من القول أنّ لكلّ أسطورة
قيمة ودلالة وجوهر بحاجة إلى الكثير من التدقيق والتمحيص والتعمّق لإدراكه وفهمه،
كما أنّها تحتوي على تعابير تكمن فيها أسرار ومعاني بحاجة إلى الدرس، ولا يمكن
الوصول إلى هذا اللبّ ما لم تكن منطلقاتنا التي نبتدئ بها صحيحة، إذ يتوجب علينا
فكّ رموز مجامع الآلهة، والتعرّف على قوى الكون والطبيعة التي تؤكّد عليها
الأساطير، وماهية الأدوار التي يعتقد الأوّلون أنّها تقع تحت مسئولية تلك القوى، ثم
ما هي معاني الأسماء وهل يمكن أن تكون تلك الأسماء رموزا تحدّد شخصية تلك القوى
والأسباب والدور التي تقوم به في خضم الأحداث، وما علاقة الأساطير باللغة التي
يتحدّث بها أصحاب الأساطير وما الأساس الذي على ضوئه كُتِبَت ودُوّنت؟ نحن نعتقد
أنّ فهم اللغة العربيّة بكل لهجاتها السريانية والفينيقية والعرباء، على اعتبار
أنّها اللغة التي كتبت بها الأساطير السومريّة والبابليّة والأوغاريتيّة وعرب وادي
النيل هو أمر في غاية الأهميّة؛ لتحقيق فهم موضوعي للأساطير، بالإضافة إلى ضرورة
معرفة حدود استخدام اللغة عند الأولين ووسائلهم في توظيف هذه اللغة للتعبير عن
المفاهيم العلميّة والعرفانيّة حسب المستوى الذهني والنفسي للوسط المُستهدف، ومن لم
يهتدِ إلى ذلك لا يمكن له أن يهتدي إلى المفاتيح التي ينفذ بها إلى لبّ الأساطير
ليستطيع أن يفكّ ألغازها ويفهم رموزها.