الصفحة الرئيسية | من نحن | إصدارتنا | مجلة التجديد | بطاقات فنية | عروض | بياناتنا | مقالات | أوراق عمل | أنشطة الجمعية | للاتصال بنا   
فضل الله.. وقفة ما بعد الرحيل
فضل الله.. وقفة ما بعد الرحيل

 

فضل الله.. وقفة ما بعد الرحيل
 

لا أستطيع أن أضيف المزيد على ما قاله المراجع والفضلاء والعلماء والمثقفون والمحبون والمريدون والناحبون والمفجوعون والفاقدون من جميع الطوائف اللبنانية أولاً، ومن العالم ثانياً في حق الراحل الكبير، فقد أشبع كلّ أولئك الفقيد العزيز من المدح والثناء المتوّج بلوعة الفقد والعزاء الكثير والكثير، وسكبوا عليه الدموع، وهو لكل ذلك من المستحقين بلا شك.

نعم قد لا أستطيع أن أضيف على كلّ ذلك، لكن بكل تأكيد فإنني أستطيع وغيري ملايين أن نقفَ وقفة تأمّل ومراجعة في شخصية رجلٍ قضى حياته في مسيرة العمل والكدّ الفكري والبحث والدراسة، بحثاً عن حلولٍ لمشاكل مجتمع ومشاكل فكر ومشاكل فقه كانت عالقة، وحسبي أنّها كانت ستكون كذلك لولاه، مسائل كانت تبحث عن شخصية تجمَع الفكر والثقافة والفقاهة، بل والأهم الشجاعة في الجهر بكلمتها والبوح بنتائج صادمة في كثير من الأحيان، الشجاعة التي تُعدّ صفةً مهمة وحيوية وفاعلة، وشرطاً أساسياً للفقيه والفقاهة، وهي بالفعل ما تميّز به سماحة السيد الراحل، ذلك لأنّه كان مفكراً حراً، ومثقفاً حراً، وأديباً حراً، وأخيراً فقيهاً حرا، فتجرأ في البحث في مسائل لم يجرؤ كثير ممن سبقه على مجرد الاقتراب منها، أو الحوم حولها بمراجعة أو دراسة ولو من بعيد، أما سماحة السيد الراحل فقد تجاوز البحث للإعلان عن النتائج دون خوف ودون تردد ودون النظر في حسابات الربح والخسارة التي عادةً ما تكون حائلاً بين البحث وإعلان نتائجه.

كلنا سجد لله شكراً حين نجا سماحته من حادث الاغتيال الآثم والذي نجا منه بإعجوبة بالغة، وروت تفاصيله في حينها السيدة الفاضلة التي كانت سبباً في نجاته وقرأناها جميعاً بعد الحادث، وتم تداولها مجدداً بعد رحيل سماحة السيد (رضوان الله عليه)، ولقد كان لحادثة النجاة هذه ما لها من خيرٍ كثير على الساحة الإسلامية بلا شك، حيث أمتد بعدها عمر السيد خمس وعشرين عاماً إضافية، وامتدّ معه عمله الدؤوب في خدمة قضايا الساحة الإسلامية والعالمية بفكره الواسع وثقافته الشمولية، لكن القدر يفرض خلفه معادلة قد تخفى على الكثير منا، والخير الكثير الذي جنيناه بسلامته له تبعات على الورثة والمحبين، وكأننا أمام امتحان إلهي آخر اليوم هو ضريبة تلك النجاة، امتحان يقول لنا بوضوح، دعوتم لإطالة عمره وقد استجيب دعاؤكم، وها أنتم اليوم أمام تحدٍّ جديد وامتحان من شكل آخر، ألا وهو حمل أمانته ورعايتها والحفاظ عليها وتطويرها، فتركة السيد الراحل قبل 25 عاماً لا تساوي تركته اليوم أبداً.

من الطبيعي أن مريدي السيد (رضوان الله عليه) كان ممن ينهل من فكره وعلمه ليل نهار، ومنهم طائفة دَرَسَت وتخرجت على يديه، وهم أولى الناس بإرث سماحته الفقهي والثقافي والفكري، والأولى بتحمل مسؤولية الحفاظ على تركته، وهم بهذا أمام تحدٍّ كبير جداً، إذا ما أدركوا حجم التركة التي تركها لهم سماحته، تركة فكرية فقهية سياسية اجتماعية، بحاجة لتكاتف جهودهم جميعاً لتحملها، والمحافظة عليها وعلى ونتائجها، نعم فهم الأمل بعد ذلك الرحيل، هم اليوم أمل الحائرين الذين كانوا يبحثون عن إنسانية الدين، فيجدونها في ثنايا فتاواه الفقهية، وهم مأوى التائهين الذين كانوا يبحثون عن أبوة تجمع المسلمين فكانوا يجدونها في قلبه الذي اتسع للجميع وليس للمسلمين فحسب، وهم أي ملجأ المريدين الذين كانوا يبحثون عن رجل دين منفتح يسمع للآخر المختلف فكرياً دون أن يكفر أو يفسّق أو يدخل الناس في جهنم أفواجاً، فيجدونها في فكره الواسع النير، ونسأل الله عز وجل أن يعينهم على تحمل هذه المسؤولية.

ستبقى لوعة الفراق لفترة ليست بالقليلة فالخسارة كبيرة، وستتشح لبنان كل لبنان بالسواد لمدة طويلة، وستبقى مسحة الحزن العميق مرسومة على محيا محبيه ومريديه وكلّ من يكنّ له الحبّ والود، مفكّراً كان أو رجلاً بسيطاً، عالماً فقيها أو طالب علوم دينية مبتدءاً، علمانيا أو يسارياً، مسلماً أو مسيحياً، فقد أفجع السيد برحيله كلّ أولئك لأنّ قلبه وفكره وعلمه ونشاطه اتسع لهم جميعاً.

فهل لنا من وقفة تأمل لما بعد هذا الفراق؟ هل لنا من وقفة تأمّل لهذه الإرث والبحث عن أفضل الطرق للحفاظ عليه وتطويره؟

 

أ.فاضل حسن

جمعية التجديد الثقافية - مملكة البحرين
 

لمساعدتنا في تطوير هذا الموضوع...
كيف تقيم هذا الموضوع؟

ضعيف
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10

 ممتاز
لماذا كان تقييمك بهذه الصورة ؟ اختياري
 
تعليقات...
قد يكون "فضل الله" خيراً منا عند الله وقد لا يكون فالله أعلم بما في أنفس الناس من خير أو من سوء, ولذلك فإن الموضوعات التحليلية التي تتناول السير والقصص بالتحليل أو بالتمحيص أو التعليق تنبغي أن تكون موضوعية مجردة لا تطغى عليها عاطفة الكاتب واتجاهه. نرجو لفضل الله الجزاء بما استحق من الخير وأن بغفر الله له ما كان من غير ذلك.
الموضوع بالنسبة لي واضح و استطيع ان اقراء مابين سطوره و تمنيت ان يكون اوضح لمن لا يستطيع او لا يريد ان يقراء بين السطور ! و لربما اراد الكاتب ذللك لحساسية الموضوع
التقييم 8 من 10 مبني على 13 اصوات. طبع الموضوع أرسل الموضوع
موقع مؤتمر شرائع السماء وحقوق الإنسان