السيد رضا رجب في مقابلةٍ حول مؤتمر (شرائع السماء وحقوق الإنسان): لسنا نشطاء حقوق إنسان ولسنا ساسة .. ونسعى للتأسيس الفكري لثقافة حقوقية إنسانية عالمية
أعلنت جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية في السابع عشر من فبراير 2010م عن اعتزامها تنظيم مؤتمر حقوقي يحمل عنوان (شرائع السماء وحقوق الإنسان.. عودةٌ للجذور) وذلك في الثالث وحتى الخامس من أبريل 2010م، بمشاركة نخبة من علماء ومفكري الأمة والعديد من الشخصيات الحقوقيّة.
ويقدّم السيد رضا رجب رئيس جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية، في هذه المقابلة، جملة من التصورات والايضاحات حول خلفية المؤتمر، وأهدافه، وعلاقته بالحراك الحقوقي العربي.
نحن ومنذ انطلاقتنا نركز على المشهد الحضاري الذي تعيشه الأمة اليوم، وبحث مكونات هذا المشهد الفكرية، والبنية التحتية التي وطأت لهذا المشهد، والتراكم الذي أوصلنا لما نحن فيه من تراجع وتردىًّ محزن لا يقارن بأي شكل من الأشكال بعظمة جذورنا والمنبت الذي سقاه أنبياء الله (ع)، وبسعي حثيث وعمل متواصل لتشخيص مكامن العلل حرصت عليه الجمعية خلال سنوات، أتضح وبشكل جلي أنّ أكثر أزماتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية اليوم إنّما هي ثمرة لجذورٍ فكرية دخيلة لا علاقة لها بقيم الرسالات، وتمّت سقايتها لمئات من السنين لتصبح اليوم كابوساً فكريّاً يجثم على صدر الأمّة.
ومن خلال ذات المنهج الذي سرنا على خطاه ومعاينة نفس المشهد، وبعد تشخيص علمي دقيقٍ لواقع الأمّة الثقافي والسياسي والاجتماعي والعلمي والعقائدي، أطلقنا مشروعنا الأول "عندما نطق السراة"، الذي عالج بعض مكونات هذا المشهد، لاسيما في التعامل مع القران الكريم، ذلك النص المقدس الذي تعرضت تفاسيره وقصصه القرآني لأضخم عملية تحريف في التاريخ الإنساني وطُمست منظومته المعرفية.
التشريعات الحقوقية هي الأخرى كانت مكون آخر من مكونات عين المشهد، فكان لابد من الولوج إلى مضمارها، نظراً لمركزيتها في أي حراك نهضوي يراد لأمتنا وبالتالي لعالمنا الإنساني، فكان القرار بالمضي قدماً في هذا المشروع الرائد والهام الذي يتوج هذه الأيام بمؤتمر "شرائع السماء وحقوق الإنسان.. عودةٌ للجذور"، مستمداً من معين البنية الأخلاقية والمقاصد الكبرى التي أصلّت لها السماء.
سيسعى هذا المشروع للتعامل مع إشكالية كبرى طبعت آثارها على ثقافتنا المعاصرة، وهي التناقض والتنافر المتوهم بين الإسلام والعهود الدولية لحقوق الإنسان، لتردم الهوة بين الشريعة الإسلامية والقوانين الإنسانية المعمول بها اليوم، والتي ليست سوى إرث لذلك التراث الخالد والمدد المعرفي الذي تراكم على طول عصور الأنبياء والمصلحين، والأعراف التي تولدت من الضمائر الحية والفطر السليمة.
فإعادة الاعتبار للجوهر الإنساني لدعوة الأنبياء عامة ولشريعة محمد (ص) على وجه الخصوص، كانت ولا تزال نصب أعيننا في التجديد ومنذ اليوم الأول لتشكلنا، وستبقى هدفاً سامياً نسعى إليه ما بقينا.
حسناً، في سؤالك جواب لما سألت، فهناك العديد من المنظمات والمؤسسات الحقوقية في الوطن العربي، ونحن لسنا جمعية ولا منظمة حقوقية. جمعية التجديد كانت ولا زالت تنشط في منطقة أو شريحة نُعرّفها بـــ "البنية التحتية للفكر الإسلامي"، أي إننا نعمل في مساحة تأسيس الفكر وتأصيل الثقافة، تركيزنا يقع في هذه المنطقة، ولا يضم تشكيلنا نشطاء في حقوق الإنسان كما هو حال المؤسسات التي أشرت إليها.
هناك فرق كبير بين التأصيل الفكري لمبادئ حقوق الإنسان وبين النشاط الحقوقي المدني والميداني، والمنظمات المدنية الحقوقية بحاجة إلى مرجعيّة ثقافية متناغمة مع ثقافة الناس وعقائدهم لكي تجد القبول لديهم ولكي تنجح في أداء رسالتها بشكل صحيح. فالناشط الحقوقي لا يستطيع أداء رسالته دون المفكّر الحقوقي، والمفكّر يحتاج الناشط لكي يترجم فكره على الأرض.
لدى جمعية التجديد شبكة علاقات واسعة محليّة وإقليمية ودولية من مؤسسات المجتمع المدني والشخصيات الحقوقية المعروفة إقليمياً ودولياً، وقد قمنا بدعوة أصحاب الشأن والاختصاص منهم للمشاركة في مؤتمرنا، وقد لبّى الدعوة خصوص من دعوناهم.
خطابنا موجّه للجميع، فالكل مسؤول من موقعه وحسب مسؤوليّته، ولكنّا هنا نركز في خطابنا على المؤسسات التشريعية والبرلمانية في العالم الإسلامي التي تبحث عن تجسير الهوة بين قوانينها والشريعة الإسلامية، والمؤسسات الدينية ومراكز البحوث الإسلامية، والجامعات ذات العلاقة، والمؤسسات الحقوقية في العالمين العربي والإسلامي الراغبة في موائمة خطابها للناس مع عقائدهم وقيمهم، والمنظمات الدولية الراغبة في نشر ثقافة حقوق الإنسان بين الشعوب الإسلامية بخطاب تفهمه تلك الشعوب لأنّ لغة حقوق الإنسان لغة إنسانية كونية عابرة للثقافات، وأيضا إلى رجال الدين والفكر وقادة الرأي في عالمنا الإسلامي. ولكن يبقى الخطاب الأشمل موجَّهاً لمحور النهضة المنشودة وهو الإنسان المسلم ليستعيد موضعه الصحيح في هذا العالم حاملاً بنفسه راية حقوق الإنسان وليتحمّل مسؤوليته من جديد بعد أن ترك مكانه للآخرين لسنين طويلة.
كما أشرنا عند الإعلان عن المؤتمر، فنحن في بداية مشروع طموح وخطوة أولى في رحلة طويلة، وهو لبنة في بناء وليس البناء كاملاً، وسنسعى من خلاله لوضع الأسس والمنطلقات الفكرية والثقافية التي يستند عليها المشرِّع المحلِّي والدُّولي لصياغة قوانين إنسانية حضارية صالحة للبشرية جمعاء مهما تباينت ثقافاتها وأديانها ولغاتها وألوانها وأعراقها. ويهدف المؤتمر إلى تحقيق أربعة أهداف رئيسية.
أوّلاً: التأسيس لثقافة سلام عالمية، تعيد الاعتبار لثقافة القيم والأخلاق والأعراف المنسية في تراثنا، وتبرزها اتّكاءً على جواهر ومقاصد الشريعة الغراء، والتأسيس الفكري والثقافي والعقائدي لمساعدة المشرِّع في صياغة قوانين إنسانية تصلح لأن تكون عالميَّة.
ثانياً: إفهام الإنسان العربي والمسلم ما لأعرافه القديمة الشريفة ولشرائع دينه من إسهام كبير وجبّار في صياغة العهود الدولية الحاليّة ومنظومة الحقوق العالمية، بل وتطويرها والرقابة عليها، ليرقى في وعيه أنّ بضاعته قد رُدّت إليه.
ثالثاً: الاستفادة من التراث الإنساني والإسلامي لوضع مقترحات لقوانين إنسانية جديدة لا يوجد لها مثيل في عالمنا اليوم.
رابعاً: تلمّس واكتشاف أوجه القصور في القوانين والمواثيق والتشريعات الدولية اليوم أو ثغرات الخلل في تطبيقاتها لحمايتها من التلاعب والتحايل والقفز، ولسدّ ثلمها، تشريعاً وقانوناً وتهذيباً.
لقد أشرنا سابقاً بأنّ مؤتمرنا القادم لا يتناول الجانب الحقوقي من بوّابته القانونية أو السياسية، فنحن لسنا نشطاء حقوق إنسان ونترك العمل الميداني للحقوقيين والمتخصّصين ولمؤسسات المجتمع المدني العاملة في مجال حقوق الإنسان. نحن في جمعية التجديد نصنع الثقافة المؤسِّسة للعمل المدني والسياسي والحقوقي، لذلك سنقوم عبر مؤتمرنا القادم بوضع البنية التحتية الثقافية التي يفتقر إليها نشطاء حقوق الإنسان اليوم خصوصاً في عالمنا الإسلامي. وبنظرةٍ سريعةٍ على العمل الحقوقي في عالمنا الإسلامي اليوم ربّما تجد لها عراقيل وكوابح من بنيتنا الشعبية والرسمية، وربّما تجد نوعاً من العشوائية نتيجة لعدم انطلاق بعض فعالياتها وأطرها من رؤية واضحة للمكوّن الحضاري والفكري للشعوب الإسلامية والشرقية خاصة ولشعوب العالم عامة.
في جانبها الفكري والثقافي وهو ما يهمنا كمؤسسة دراسات وبحوث، التحديّات كبرى ومنها الدينية والاجتماعية والسياسية. ففي التحدي الديني منها تتمثّل في اعتقاد الكثيرين ومنهم بعض رجال الدين بتعارض بعض مبادئ حقوق الإنسان كحريّة المعتقد مثلاً وحريّة القول والعمل أو حقوق المرأة مع الشريعة الإسلامية وهو ما أسهم وبشكل كبير في تراجع الخطاب الديني وعدم تناغمه مع النهضة الإنسانية التي تشهدها التشريعات الدولية. وهذا الاعتقاد برأينا وهم كبير بل وسوء فهم للطابع الإنساني لشريعة محمد (ص). كما ساهمت النزعة الوصائية الدينية والاجتماعية التي تمارسها بعض فئات المجتمع على أفراده في سلبهم لحقّهم في الاختيار الحر. فالمجتمعات التي نعيش فيها فرضت علينا رقابة ذاتية لاواعية ليس لها أساس في الشريعة ولا في الأعراف السائدة في عصور الرسالات ممّا ساهم في تراجع الإبداع وتكريس الخوف من التجديد والتغيير، وربّما في بعض الأحيان التردّد في المطالبة ببعض الحقوق الأساسية التي وهبها الله سبحانه وتعالى لكل إنسان، لكن أسوأ التمثّلات السيّئة في المسألة الحقوقيّة هو الاعتقاد بضرورة دونية الآخر وإهانته وخفض جانبه، ما يُؤدّي لانتقاص كرامته وحقّه المكافئ لذاتنا الفردية أو الجماعية، أكانت ذاتاً حزبيّة، طائفية، قبلية، مذهبية، دينية، أو عرقيّة وقوميّة، الأمر الذي ما زال يُوقع الظلم والتمييز والاستئثار والعدوان والوحشية في النزاعات والحروب بالخصوم والأقلّيات والمختلفين.. وتجاوز القانون الإنساني والأخلاقي، بفلسفات من الدين البشريّ أو العنصر..
أمّا على المستوى السياسي فغياب مرجعيّة فكريّة حقوقية إسلامية في العالم الإسلامي وانفراد العالم الغربي بمرجعيّاته الفكرية ونظمه وتشريعاته الإنسانية قد ساهم في اتّساع الهوّة الثقافية الحقوقية بين العالمين الإسلامي والغربي. لذلك سنعمل عبر هذا المشروع على التأسيس لمرجعيّة فكريّة حقوقية جديدة قادرة على تغيير هذا الواقع وتدشين نهضة حقوقية عربية واسلامية شاملة.